أخبار - 2026.11.02

الوزير محمد علي النفطي في تقديم مذكرات السفير محمد جنيفان: قامة راقية تجمع بين رفعة الأخلاق وجمال الدعابة

«وأنت تستكشف توصيف سي محمد لعدد من الزعماء العرب الذين تعاقبوا على الحكم في سبعينيات القرن الماضي، بورقيبة، ياسر عرفات، أبو إياد، صدام حسين، معمر القذافي... خلال لقاءات خاطفة معهم، فإنك تخال نفسك حاضرا في تلكم اللقاءات بفضل تلك البراعة النادرة التي تفرّد بها الكاتب الدبلوماسي، حديث العهد بالمهنة آنذاك والذي سرعان ما أثبت جدارته بل أحقيته الطبيعية في الانتماء إليها، فتشرّف بها وتشرّفت به على حدّ السواء.»

هذا ما خطّه السفير السابق ووزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج الحالي، محمد علي النفطي في تقديم كتاب "السفير محمد جنيفان، مسار وتحدّيات ومواقف" الذي أصدرته الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامّين، عن دار ليدرز.

وقد كشف في مقدمة الكتاب خفايا هامّة من شخصية السفير جنيفان وأسلوبه المتميّز، وتعامله مع الأحداث وحسن تواصله مع الجميع.

وفيما يلي النصّ الكامل للمقدّمة:

عندما يعانق الابداع اللّغوي دقّة التوصيف والتكييف وعمق التفكير السياسي والاستشراف برؤية ثاقبة واتقان فنّ الدبلوماسية وحذق توظيف أدواتها، فإنك بلا شك في حضرة أهل المهنة، تلك المهنة الممتعة والمضنية والنبيلة في آن واحد، مهنة تجاوزت الإطار الوظيفي ومتطلباته لتلج عالم النضال في أبهى حلله وأرقى تجلياته، عالم لا يعرف كُنْهَ معانيه إلاّ من أدرك، منذ نعومة أظفاره، أن التعلّق بالوطن هو جبلّة ترافق الانسان من المهد إلى اللّحد.

شاءت الأقدار أن تتكوّن لي فكرة عن سي محمد جنيفان قبل أن أراه وأعمل تحت إشرافه.

كان ذلك بحكم شغفي الشّديد بكل ما له صلة بالتأريخ الدبلوماسي، وما انفكّ هذا الشغف ينتابني من منطلق الفضول الثقافي وحب المهنة وتقدير المواقف واستذكارها والانبهار بها أحيانا، لا سيما تلك التي مازالت عالقة في ذهني. كنت أتصفّح بعض الكتابات التي ترد علينا من مختلف البعثات الدبلوماسية وقد اختيرت بدقّة وحرفية، وأنا في بداية العقد الثاني من تجربتي الدبلوماسية وقعت عيناي على رسالة بعث بها القائم بالأعمال بالنيابة بسفارتنا ببغداد آنذاك سي محمد جنيفان، اختزلتْ فحوى لقاء خاطف جمعه سنة 1974 بالرئيس العراقي الرّاحل صدام حسين، والذي لم يرتق آنذاك إلى سدة الحكم بصفة رسمية بل كان ركيزة أساسية له في الحزب الحاكم.

وهنا أفتح نافذة صغيرة تستحضر إحدى مرجعياتنا الأدبية الخالدة، ألا وهي «الخيال الشعري عند العرب» لمن تربّع على عرش أدبنا وظل كذلك على مدى عقود من الزمن، الراحل ابن الواحة وشاعر الحياة أبو القاسم الشابي.

أفلا يجوز أن نُجريَ مقارنة مجازية بين أديبنا وشاعرنا الفذّ وأحد مرجعيات السّرد والتحليل الدبلوماسي والاستشراف السياسي والجيوستراتيجي، إلى جانب أعمدة من سلكنا العريق، فرسان القلم الدبلوماسي بمختلف اللغات؟؟

وَكثيرا ما يردّد سي محمد أنه انتمى إلى العائلة الدبلوماسية في مقتبل العمر، فتعامل مع من سبقوه إليها بكل ثقة واحترام واقتدار، وهو الذي أثرى مضمونها بل طوّر أداءها وأوغل في التحليل السياسي بناء على تجربة داخلية ووطنية رائدة زمن استكمال وترسيخ السيادة الوطنية ببلادنا.

وأنت تستكشف توصيف سي محمد لعدد من الزعماء العرب الذين تعاقبوا على الحكم في سبعينيات القرن الماضي، بورقيبة، ياسر عرفات، أبو إياد، صدام حسين، معمر القذافي... خلال لقاءات خاطفة معهم، فإنك تخال نفسك حاضرا في تلكم اللقاءات بفضل تلك البراعة النادرة التي تفرّد بها الكاتب الدبلوماسي، حديث العهد بالمهنة آنذاك والذي سرعان ما أثبت جدارته بل أحقيته الطبيعية في الانتماء إليها، فتشرّف بها وتشرّفت به على حدّ السواء.

وعلى صعيد جدّ شخصي، أَحسَبُ أنّ ال 18 شهرا التي جمعتني بسي محمد كانت كافية لِأَنْهَلَ من الرّجل قوّة شخصيته وحذقه الفريد للمزج بين الجدية في العمل وتوجيه مساعديه نحو الأفضل وتلك الدعابة اللطيفة الجميلة الراقية التي لا يعرف سرّها إلا ابن الجنوب الأصيل والمتأصّل في هويته بكل ثقة وثبات وفخر واعتزاز، فما بالك ببداهة فكره وسرعة تفاعله مع كل موضع وفي كل ظرف زمني مهما كانت دقته وتشعّب أبعاده.

ولا أحسبني أبالغ إذ قلت إني مدين لذاك العطف الأبوي الذي غمرني به خلال تلك الفترة وما بعدها، والتي جمعت بين الأصالة وحسن الخلق والأناقة التي لا تضاهيها إلا ابتسامته الجميلة العريضة الصادقة التي لا تكاد لا تفارق محيّاه.

كان ذلك في أرض الحرمين الشريفين وبالرياض تحديدا في فترة شهد فيها العالم والمنطقة العربية والإسلامية أحد أبرز التحدّيات الأمنية والإنسانية والاجتماعية التي لا تزال ارتداداتها قائمة إلى حد الآن.

فإذا أنت تجد نفسك أمام قامة سياسية ودبلوماسية راقية، فضلا عن خصال ومناقب لدبلوماسي -إنسان جمع بين نقاء السريرة ورفعة الأخلاق وجليل الاحترام وجمال الدعابة ودقة المعاني، فكيف لك ألا تتأثّر بهذه الشخصية التي تركت فيك انطباعا ازداد رسوخا على مرّ الزمن؟؟

فالمحطات المهنية التي استقرّ بها سي محمد وروى بعض تفاصيلها بكل دقة وصدق وعفوية وجرأة، وأسلوب بديع، تختزل مسيرة ثرية وجب التنويه بها لتكون نبراسا تهتدي به كلّ من تعلّقت همّته بالوظيفة الدبلوماسية.

ولعلّ أبرز معانيها تتمثّل في الصبر والصمود والتضحية والمغامرة أحيانا، حينما نتحدث عن ملحمة بيروت في أوج الإرهاصات السياسية والأمنية التي عاشها لبنان الشقيق في أوائل الثمانيات. وكان ذلك من أجل تثبيت موقف مبدئي في سياسة تونس الخارجية قبل وإبان استقلالها والى يومنا هذا والمتصل بالقضية الفلسطينية وما رافق ذلك من تحركات بطولية تجاوزت أحيانا المهمة الدبلوماسية في حدّ ذاتها.

  ولما كان قَدَرُ السفير محمد جنيفان مرتبطا بالمهامّ المعقدة بل الأكثر تعقيدا، فلقد حل ركبه مباشرة عند جارنا الشرقي فاصطدم الرجل بواقع جديد، واقع فرض التعامل معه بحنكة وتبصر وصبر أيوب ومثابرة ويقظة دائمة.

ولا ريب أنه في حال التقى هاجس السيطرة والتربص بالآخر والإصرار على فرض الأمر الواقع إلى غاية اخضاعه وبسط نفوذه مع الثبات في الموقف والصمود البطولي في المقابل، فإنك تحتاج الى رباطة جأش ورصانة دبلوماسية وسلوك سياسي هادئ من الدرجة الأولى. وتلكم الأوصاف التي توفرت فيمن قاد البعثة الدبلوماسية التونسية بحكمة واقتدار رفقة ثلّة من صفوة المهنيين المحترفين الأجلاء.

فالأمر كان يتعلق بالمحافظة على ركن أساسي من سيادتنا الوطنية، لا إفراط ولا تفريط فيه، مع الإبقاء على علاقات جيدة أخوية أو على الأقل طبيعية في ظل تدهور للأوضاع الداخلية التي كانت سائدة آنذاك، اجتماعيا واقتصاديا وكذلك أمنيا.

كل هذه الخصال والمآثر طبعت سُلوكَ السفير والوطني في فترة مفصلية من تاريخنا المُعَاصِر، ليركن بعدها إلى استراحة تأمل وتبصّر في الشأن العربي والإسلامي، غربا وشرقا إلى أن قادته الأقدار إلى أرض الحرمين الشريفين سفيرا ممثلا لبلاده فيها ومندوبا دائما لدى منظمة المؤتمر الإسلامي.

ولم يحالف السفيرَ محمد جنيفان الحظُّ في أن يستقر بهذا البلد الشقيق حيث كان مُؤهلا للنجاح فيه واسْتِدَامَة نَسَقِ العلاقات المتميزة معه أُسوة بمرحلة الراحل قاسم بوسنينة.

فقد اجتمعت عوامل عدة ذكرها بدقة ليتحول في فترتين قصيرتين تباعا الى المنامة ثم الى بلاد الشام سخرهما الى الرصد والتحليل، لتكون أرض الكنانة تتويجا لرحلة دبلوماسية جميلة.

فكان للدبلوماسي المحنك ما أراده عموما بأن يمثل بلاده في احدى أكبر العواصم وأعرقها ثقافة وحضارة، فضلا عن ثراء الحياة السياسية فيها بحكم أن القاهرة هي قبلة العرب الأولى والجامعة لهم.

وفضلا عن جهود الرجل في استعادة نسق العلاقات التونسية المصرية وتطويرها وإثرائها فلم يفوت سي محمّد فرصة الابْدَاع الدبلوماسي في بعده الثقافي.

فلقد ألقى السفير محمد جنيفان محاضرة راقية عانقت الابداع، تطرق فيها الى عشق النيل ومنزلته لدى المصريين وتلك الأساطير الجميلة التي أحاطت به، مازجا بين المرجعيات الأسطورية في الأدب التونسي وفي المخيال الشعبي المصري.

محاضرة ترتقي الى ابداعات الشاعر بيرم التونسي حيث تغنى بالنيل كما لم يتغنّ به أحد … في «شمس الأصيل لكوكب الشرق.»

وفي خلاصة القول، أرجو أن أكون قد أوفيت الرجل نَزْرا قليلا مما يستحقّ عبر هذه الكلمات والخواطر، ولكنني أجزم أن مسيرة كتلك التي ميزت حياة السفير محمد جنيفان جديرة بالاهتمام والتنويه والاستذكار بكل مقاييس الموضوعية.

وأحسب أن ما يمكن استخلاصه من هذا الكتاب القيم عبرٌ عدة للدبلوماسيين لعل أهمها يكمن فيما يلي:

• التشّبعُ بروح الوطنية إلى حد العشق حتى تكون قادرا على الدفاع المستميت والذكي على مصالح بلادنا.
• ثقافة ثرية ومتعددة الجوانب.
• شَغَفٌ منقطع النظير في إنجاح المهمة مهما استعصت الأمور.
• سلاسةٌ وملكةٌ لغويّةٌ تستهوي المخاطب وتجلب انتباهه وتفرض الاحترام ولما لا الاعجاب.
• سَرْدٌ دقيق في نقل الوقائع وحسن توظيفها.
• بداهة وحنكـــة في التفاعــل السريـــع مع ما يمكن أن يعترض الدبلوماسي من أسلوب عنيف أو مجامل أو مستفزّ، أو حتى متهكّم أحيانا.
• إيلاء كل الأبعاد الدبلوماسية، السياسية أو الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتربوية ما تستحقّه من عناية.

وهي ذات المبادئ والقيم الفضلى التي حرص سي محمد على تلقينها للناشئين من الأجيال الدبلوماسية خلال سنوات توليه التدريس بالمعهد الدبلوماسي للدراسات والتكوين بفضل مهارته البيداغوجية وتجربته المهنية فضلا عن مرجعيته السياسية المتميزة وقدرته على الإبلاغ والاقناع والابداع.

شكرا جزيلا على هذه الفسحة الفكرية عبر التاريخ، واللهَ نسأل أن يُمتّع سي محمد جنيفان بالصحّة والعافية والسّعادة الأبدية.

محمد علي النفطي

السفير محمّد جنيفان، مسار وتحدّيات ومواقف 
إصدار الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين
دار ليدرز، 2026، 338 صفحة، 45 د
متوفر بالمكتبات
وعلى المنصة الالكترونية www.leadersbooks.com.tn 
(التوصيل مجاني)  

قراءة المزيد

• وَقْفَةٌ عِنْدَ مَوْقِف تونس من غزو العراق للكويت، في كتاب "السفير محمد جنيفان: مسار وتحديات ومواقف" 

•  في حوار شيق، تقديم كتاب مذكرات السفير محمد جنيفان (ألبوم صور) 

• صدر حديثا: "السفير محمّد جنيفان، مسار وتحدّيات ومواقف" 

• شهادة للتاريخ: كلمة في عمّان قبل 38 عاماً… كيف أسهم موقف السفير محمد جنيفان في إعادة الاعتبار للكفاءات التونسية بمنظمة التعاون ا لإسلامي؟

 


 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.